ابن عطية الأندلسي

259

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

وقوله تعالى : ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ أمر يقتضي الوجوب ، و إِلى غاية ، إذا كان ما بعدها من جنس ما قبلها فهو داخل في حكمه ، كقولك اشتريت الفدان إلى حاشيته ، وإذا كان من غير جنسه كما تقول اشتريت الفدان إلى الدار لم يدخل في المحدود ما بعد إِلى ، ورأت عائشة رضي اللّه عنها أن قوله إِلَى اللَّيْلِ يقتضي النهي عن الوصال ، وقد واصل النبي صلى اللّه عليه وسلم ونهى الناس عن الوصال ، وقد واصل جماعة من العلماء وقد تقدم أن هذه الآية نسخت الحكم الذي في قوله كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [ البقرة : 183 ] على قول من رأى التشبيه في الامتناع من الوطء والأكل بعد النوم في قول بعضهم ، وبعد صلاة العشاء في قول بعضهم ، والليل الذي يتم به الصيام مغيب قرص الشمس ، فمن أفطر وهو شاكّ هل غابت الشمس فالمشهور من المذهب أن عليه القضاء والكفارة . وفي ثمانية أبي زيد : عليه القضاء فقط قياسا على الشك في الفجر ، وهو قول جماعة من العلماء . وقال إسحاق والحسن : لا قضاء عليه كالناسي . وقوله تعالى : وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ ، قالت فرقة : المعنى لا تجامعوهن . وقال الجمهور : ذلك يقع على الجماع فما دونه مما يتلذذ به من النساء ، و عاكِفُونَ ملازمون ، يقال عكف على الشيء إذا لازمه مقبلا عليه ، قال الراجز : [ الرجز ] عكف النبيط يلعبون الفنزجا وقال الشاعر : [ الطويل ] وظلّ بنات اللّيل حولي عكّفا * عكوف البواكي بينهنّ صريع وقال أبو عمرو وأبو حاتم : قرأ قتادة « عكفون » بغير ألف ، والاعتكاف سنة ، وقرأ الأعمش « في المسجد » بالإفراد ، وقال : « وهو المسجد الحرام » . قال مالك رحمه اللّه وجماعة معه : لا اعتكاف إلا في مساجد الجمعات ، وروي عن مالك أيضا أن ذلك في كل مسجد ، ويخرج إلى الجمعة كما يخرج إلى ضروري أشغاله . وقال قوم : لا اعتكاف إلا في أحد المساجد الثلاثة التي تشد المطي إليها حسب الحديث في ذلك . وقالت فرقة لا اعتكاف إلا في مسجد نبي . وقال مالك : « لا يعتكف أقل من يوم وليلة ، ومن نذر أحدهما لزمه الآخر » . وقال سحنون : « من نذر اعتكاف ليلة لم يلزمه شيء » . وقالت طائفة : أيهما نذر اعتكفه ولم يلزمه أكثر . وقال مالك : « لا اعتكاف إلا بصوم » . وقال غيره : يعتكف بغير صوم ، وروي عن عائشة أنه يعتكف في غير مسجد . و تِلْكَ إشارة إلى هذه الأوامر والنواهي ، والحدود : الحواجز بين الإباحة والحظر ، ومنه قيل